دون أن ينال حقه من الاعتراف، باستثناء عصبة من عشاق إبداعه، عاش في براغ ثلاثة عقـــود واحد من أكبر الشعراء العرب، محمد مهدي الجواهري (1900 – 1997) الذي تعتبره الموسوعة البريطانية على سبيل المثال واحدا من أكبر وأهم مشاهير العالم. واليوم، بعد خمس سنوات من رحيل الجواهري في دمشق، حيث أقام ضيفاً على الرئيس السوري، اكتشفت براغ الشاعر الكبير، على الأقل بتأسيس مركز يحمل اسمه في العاصمة التشيكية.
يقول المستعرب والمترجم يارومير هايسكي، أحد المعنيين في مركز الجواهري، المبادرة التشيكية ـ العربية الجديدة، "إن أبولينير كتب بالفرنسية في براغ، وبابلو نيرودا كتب في براغ بالأسبانية، أما الجواهري فإنه لم يكتب إلا بالعربية – أي بلغة يصعب للغاية نقلها إلى التشيكية. هذا هو برأيي السبب وراء عدم ترجمة أعمال الجواهري في بلدنا، وبالتالي عدم معرفتنا بشخصية كبيرة، لاسمها وقع ساحر على كل العالم العربي.وإننا اليوم نحاول إصلاح هذا الخطأ التاريخي."
ويعتقد يارومير هايسكي أن الشعر العربي على وجه الخصوص هو المفتاح الرئيسي إلى كل الثقافة العربية. ويضيف "إن الشاعر عند العرب يشبه في غالبية الأحوال طبالاً وعازف مزمار، يبدي الرأي في الشؤون السياسية." ويريد هايسكي بالتعاون مع شتى المؤسسات التشيكية تفعيل نشاط مركز الجواهري في براغ من خلال تنظيم المعارض وإصدار أعمال الشاعر الجواهري باللغة التشيكية، وتعريف الرأي العام بحياته، وأفكاره وعلاقته مع براغ.
وكانت محاولة سابقة قد بذلت لتعريف تشيكوسلوفاكيا السابقة بالجواهري، الأديب الذي اضطهد في وطنه العراق بسبب أفكاره وقناعاته وجاء إلى براغ بحثا عن مكان آمن يقيم فيه. ووراء تلك المحاولة الوحيدة كانت محررة مجلة "زابيسنيك" الأدبية زدينا تورتشيتشوفا، والمستعرب التشيكي لوبوش كروباتشك. ففي عام 1986 حل الاثنان ضيفين على الجواهري في شقته البراغية بحي بترشيني. وخلال حديث صحفي مطول تحدث الجواهري كثيرا عن ذكرياته من مطلع الستينات، حينما غادر وطنه العراق مضطرا: "في حينه، وكانت الأزمة السياسية قد بلغت ذروتها، عقد معي سكرتير سفارة جمهورية ألمانيا الديمقراطية في بغداد لقاءً سلمني خلاله دعوة من حكومة بلاده للإقامة في ألمانيا الشرقية، وبطاقات السفر، وأخطرني أيضا بأن حياتي في العراق باتت مهددة." ولكن مسيرة حياة الجواهري تغيرت بفضل هبوط الطائرة التي أقلته من بلده إلى ألمانيا في مطار براغ الدولي. هنا كان بانتظاره وفد من الأدباء التشيك للترحيب به...
هكذا أقام الجواهري في بلادنا كلاجئ سياسي منذ عام 1961 وحتى بداية التسعينات، عندما انتقل إلى دمشق. وفي براغ أيضا أصدر ديوانه "بريد الغربة". هذا الديوان ولد في براغ التي كانت المصدر الرئيسي لإيحاءات صاحبه. مثلا قصيدة "بائعة السمك" التي توقف عندها المستعرب لوبوش كروباتشك في كلمته بمناسبة إعلان بدء أعمال مركز الجواهري في براغ في تموز (يوليو) 2002 قائلا "وراء هذه القصيدة قصة فعلية. ففي فترة ما قبل أعياد الميلاد زار الشاعر ساحة الجمهورية بمركز براغ، حيث أكشاك بيع سمك الشبوط (وجبة العيد التقليدية). وهناك جذبت انتباهه بائعة جميلة وهي تقتل إحدى أسماك الشبوط بناء على طلب أحد الزبائن. وتوجه إليها الشاعر مبهورا بما رأته عيناه فسألها: كيف يمكن أن تتعامل فتاة بمثل هذا الجمال الساحر مع كائن حي بمثل هذه القسوة؟ وجاءه الرد سريعا: لقد تعلمت القسوة من الرجال."
