نموذج شعر لن يستطيع الفكاك منه احد

فاروق شوشه

لم ينْج شاعر عراقي معاصر من التأثير الطاغي لشعر الجواهري. ذلك الشعر الذي يشبه نهرًا هادرًا يجرف في طريقه كل شيء، ويلقي بفيض من خصوبته وطميه في كل أرض على ضفّتيه، فيمتد من حوله ظل باسق، وخضرة لانهائية، فيها خُصوبة العراق، وخصوبة شاعريته التي شارك في صُنعها قبل الجواهري وحافظ جميل وبعده: الرصافي والزهاوي والكاظمي والشبيبي ومصطفى جمال الدين وخالد الشواف وعدنان الراوي ولميعة عمارة وعاتكة الخزرجي وغيرهم من شعراء الصمود الكبار، مبدعي القصيدة الكلاسيكية بكل الأصالة والاقتدار.

لكن الجواهري من بين هؤلاء جميعا كان يسك القصيدة الكلاسيكية في صورتها الأخيرة المعتمدة. الصورة التي استوعبت كل ما قبلها وهضمته وتمثلته. لقد ذابت في قصيدته وثبات مهيار وتجليات المتنبي وانطلاقات أبي تمام، وإذا بنا أمام نموذج جواهريّ السّمت لا يختلط بغيره، لن يستطيع الفكاك منه أحد، لا الذين حرصوا على متابعة العمود الشعري، ولا الذين انطلقوا إلى أفق الحداثة الشعرية كالبياتي والسياب ونازك وبلند الحيدري وشاذل طاقة وكاظم جواد وغيرهم.

 

مقتطفات من دراسة

في مجلة "العربي" الكويتية

العدد 543 شباط / فبراير 2004


عودة