وهل تطيق وداعاً أيها الرجل؟

محمد الجزائري

نفرش له الأرض ذهباً ولكن لن يكفي، هو الذي ذهب وحده سائراً قدماً وسط الحشد!..
شاعر يجري على طرف اللسان فؤاده، هو والعراق صنوان، هو القائل: أنا العراق، لساني قلبه ودمي فراته، وكياني منه أشطار...
وما غادر طلباً لرفاه، فلو أراد (مسح الجوع) لنال من (ضرع دجلة) ما يفيض ويغني:



 (الديوان: م/3 ص 189)

************

فالشاعر الغضبان أعذر ما تكون غضابه، الموجعات حسانه، والمبكيات عذابه، قلبه وشعره سالا من هذا وذاك!..
فهل يُنسى الجواهري؟
وإن رحل (يوم الأحد 1997/7/27م المصادف 23 ربيع الأول 1417 هـ).. فقد ظل حياً!
(تسعون) عاماً توجت أشعاره هام العراق، وكللته بغاره، وإن بدأ النشر وهو أصغر المجيدين سناً والأكبر نفساً!
صار الناس مهددين بقوت يومهم، ولا مغيث، ولا استقراء لافق أبيض آت، فالمجاعات في تزايد وخط الفقر نامت تحته (جياع) الشعوب ولا من (حارس) لآلهة الطعام أو الأمان..!

 

·  والشعر أين الحالة!  

وما زالت نظرية (الانعكاس) تشتغل، وما زال (النقض والنقيض) قانوناً ثابتاً في (ديالكتيك) الحياة، لكننا لا نقف عند (القوانين) الطبيعية والوضعية كلها، وقفة (صنمية)، لأن بعضها شاخ وهرم!، فنغيرها، ولم نستطع بكل أسى الثورات المجهضة، لصالح أيامنا أو غدنا، لكن المسعى الحثيث يبقي صنو النضال اليومي والرجاء..
كذلك تتغير الذائقة، وتتغير الرؤى والطباع وعادات التلقي، كما تتغير، بالتأكيد، (المصالح) و(الحسابات) و(التكتيك)!
نعم الحقيقة تغيرنا.. لكن (أين) هي كي نمسك بها تماماً، أو نتفق عليها تماماً (شكلاً ومضموناً وأبعادا)؟!
والجواهري (حقيقة) قرن شعري وسياسي، لا خلاف، وشعره نبع من تلك الغليانات والبراكين والحرائق، وأيضاً من تلك الملذات وسلام النفس، وان لم يطل، لكنه من العناية والوضوح بحيث تؤرخ به الأحداث، فهل نلغيه كله لأن القرن انحسر؟ وهل نلغي عاطفته ورؤاه وشدوه وشجنه؟
اذاً، لابد أن نلغي (غوته) و(شيلي) و(ايلوار) و(ناظم حكمت) و(أراغون) و(شكسبير) والقائمة تطول!.. كما (نلغي) شعراء (المعلقات) كلهم لأن الأيام نأت عنهم؟
مهما كان القرن العشرون رديئاً ــ من وجهة نظر المستضعفين والمضطهدين والمحبوسين في نير استعماره وظلمه وظلامه، فانه أيضاً قرن ثورات التحرر الوطني، أفراحها وخيباتها، قرن السرور الصعب، والآمال العظام، الموؤدة!.. ولكنه أيضاً قرن المكتشفات ورحابة العلم والتكنولوجيا (السلمية والتدميرية)، قرن التناقضات الحادة والمخاتلات الكبيرة، احتلال العقل وغزو القمر، والفضاء والشعوب، ونهب ثرواتها وحرياتها، مع ذلك ظلت أحداث القرن الماضي، كما القرون السالفة، في الذاكرة والتدوين والتوثيق، بدءاً من الحروب الكونية وانتهاء بخدعة حرب النجوم و(مآثر) الحرب الباردة!

 

 ·  ارث وتراث

من هنا، ما زلنا مخدوعين بالأمل! وما زلنا في الوقت نفسه نعيد قراءة (كلكامش) بشيء من الزهو، والشعر السومري بكثير من المتعة، ليس لأنه وسواه من إرث وتراث، نتاج رؤى كتابة، ومخيلات، لكن أيضاً، لأنه عجينة فلسفات أزمنة وعقول، و(حكمة) دهور تأمل في المشاهد والأخيلة والأفكار والمرويات، وليس فقط في (الأمثال) و(التعازيم) و(النصوص) المعوذات!
وأيضاً لانه (نحن) اذ نستقوي به ونفاخر، لأننا شعب يمتلك مرجعياته التي لا تضاهى في النتاج الانساني!.. لأننا نعوض بذلك كله عن حاضرنا المهزوم والهش، المخاتل، والمتخلف!
كما يلوذ بعضنا بالسماء لطلب النجدة، أو بالكتب المقدسة لأنها عناء الأسئلة الوجودية والكونية معاً، وتعفيه من قلقها، وإذ لا تأويل في (المقدس)، نلوذ، أحياناً، بالشعر!
ولكون نصوص الماضي مرنة، بقدر ما فيها أيضاً من فلسفة وحكمة، تريح وتطمئن:
إذا وعدت.. فأعط
وإذا آثرت الثقة، استمر في منحها..
واذا اكتسبت ثقة رفيق، ابق له أميناً في ما تعلمته
وانظر، ما هو اللوح .....
(حكم بابلية) مجتزأة من تراث ضخم وعظيم، نجد ظلالها في كتب الأولين، وفي ديانات عدة، كما لاحظناها في الكتب المقدسة تالياً وكما نجد (الحكمة) النابعة من الصور، أو الحوار، أو السرد، أو تصوير الحدث وتوصيفه، كأنها الأبقى، لأنها تنطوي علي جماليات النص وروحه، التي يجتاز بها الفواصل والأزمنة والحالات، فهي الأبقى بجوهره، وليس في (التابو) وجبريته!
فهل (يحفظ) الايرانيون كلهم ــ مثلاً ــ شعر فردوسي والخيام وحافظ وسعدي وناصر خسرو؟!
فهل (يحافظون) عليه ليستعيدونه في المتعة أو الدرس أو الاستشهاد؟
وأكيد لا (يحفظ) العراقيون كلهم، أيضاً، أشعار الزهاوي والرصافي والشبيبي والشرقي والجواهري أيضاً، كذلك لا يحفظون الشعر السومري أو البابلي بعامة، لكنهم يتصلون به في القراءة القصيرة أو الوظيفية أو احتراماً ومتعة معرفة، وتواصلاً تاريخياً، لأنه النشاط الانساني الدائم لذاكرتهم الوطنية وهويتهم، تماماً كما يتواصلون في قراءة (تاريخ) الطبري و(معجم البلدان) وابن الأثير، قراءة معاصرة، ان ارادوا الاستزادة من المعلومات ــ مثلاً عن (ثورة الزنج) أو (ابن قرمط) وحركته الطليعية..
ليس مطلوباً من الشعب أن (يلقن) نصوصه، لا من خابية الماضي، ولا من ذخيرة الحاضر ومحمولاته، بل أن يحتفظ بها ويعيد قراءتها في كل مرة برؤية متجددة، كي تتمرأى معه، ويتملى بها عند الضرورة.
الجواهري لم يقدم (حكمته) فقط، لكن احتفظ بقابليته لقراءة السلف، وحفظه أيضاً ترسانة لشعريته، ونبعاً يغترف منه ماء شعره! لذا بزغت براعته في الحفظ لخمسين وأربع مائة بيت من الشعر (في ثماني ساعات) فقط، بدلاً عن ضغط والده عليه لحفظ علوم الدين: "كان أبي يمارس عليّ ضغطاً مستمراً لحفظ علوم الدين، وأتظاهر مؤمناً بتنفيــــذ الأمـــر، وما أن يخــرج هو وأخي الأكبر، حتي أهــرب إلي دواوين الشــــعر " -الطريق، تشرين الأول (اكتوبر) 1970، ص67).

وكما يقول الدكتور علي جواد الطاهر: "راح الجواهري ينظم لنفسه مع نفسه تحدوه الثقة، وتبعثه الطبيعة، حتى اذا اطمأن مجدداً بدأ يخرج عن نفسه فيطلع من يستضعفهم من أصحابه مثل قاسم محيي الدين، وإلا فانه ما زال يتهيب ويتخوف كثيراً أن يطلع الأكبر سناً ومنزلة في الشعر أمثال: رضا الشبيبي وعلي الشرقي ــ انه يراهم عالين جداً، ثم انه يخشى الحزازات ويخشى أن تؤدي القراءة إلي المثبطات، لانه يعرف كم في مجتمعه هذا الذي يبدو في ظاهره براقاً من لؤم وخبث وحسد وايذاء، انه علي الغاية من القساوة حتى لترتبط هذه القساوة بالعمامة ارتباطاً عجيباً" - من المولد حتي النشر في الجرائد ــ مقدمة الطبعة الأولى من ديوان الجواهري، بغداد، ج1 ص94.
وبرغم تلك (القساوة) و(اللؤم) و(الخبث) و(الحسد) و(الايذاء) المحيط به، فقد كره العنف: "أنا في حقيقتي أكره العنف، وأشعر أحياناً ان عنفي في غير محله، فأشجب نفسي، ولكنني لم أستطع إلا أن أكون كذلك، أنا مثل بطل بلزاك في رواية الزوج الضائع : (حسن التفكــــير ســـيئ التصـــرف)، وحين قــرأت الروايــة قلــت: هـــذا أنــا" -الجواهري في حوار مع مجلة (المثقف العربي حزيران (يونيو) 1971، ص133.
وهذا اعتراف يقرب الجواهري إلي مصداقيته، ولقد كان كذلك بالفعل، في كل ما كتب وما أنتج من شعر محبة، للوطن والناس، فقد حمل الشاعر الوطن معه أينما ذهب: "ان الوطن معي والناس في دمي، أينما كنت".
واذا كان الاسلوب هو الرجل ــ بحسب بوفون ــ فان الجواهري هو نفسه في شعره، حين يتألم أو حين ينوح، أو حين يتحدي ذلك بالشعر، وبعناد المكابرة والكبرياء:

انه صوت شعره، وكما قال المتنبي عن نفسه امام سيف الدولة الحمداني: "ودع كل صوت غير صوتي فانني... أنا الطائر المحكي والآخر الصدى" - ديوان المتنبي، ج1، ص291.
أو كقوله:
"أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جراها ويختصم" - الديوان، ج3، ص367.
يقول الجواهري:

هذا الذي عذبته الغربة، حين عاد إلى الوطن أراد أن (يُريح ركابه) ولكن هيهات!
"أرح ركابك من أين ومن عثر..
كفاك جيلان محمولاً على خطر" - بريد العودة، ص29 ــ 31.
لكن الجواهري يدرك أن (النبوغ) و(العبقرية) محاصران بالموت، و(الأمل) في النعي:

وان كانت "انا حتفهم" (في رثاء هاشم الوتري) مباشرة في ادانة السلطة، مثلها مثل مرثية الشاعر للزعيم الوطني (جعفر أبو التمن) فهو في (المقصورة) يستشهد دائماً بهذا البيت كأنه يتغنى فيه بنفسه:

يعلق الجواهري علي هذه الأبيات: "بكل بساطة هذا نوع من الذاتية، أسوقه كمثال، انها مركزة، وضمناً هي المثال الذي أريده للناس".. فهو يدرك كيف يموت (الخالدون) وتبقى أعمالهم في (الخلود)، ففي قصيدته (افتيان الخليج) ختم بهذا البيت العالي:

وفي آخر أيامه وأشعاره يجيء بهذا الاعتراف:  

الجواهري يجيد الشعر حين ينوح أو يبوح:

 (الديوان، م1، ص238)


*************

فالطرب هو الانسجام مع اللحن الذي تستمع إليه، قد يعني الفرح أو الحزن، وقيل أن الطرب ــ بحسب ثعلب ــ: خفة تعتري عند شدة الفرح أو الحزن - لسان العرب، مادة: طرب، ص2649.
والجواهري كان وظل (غريب الدار)، الذي أسرى به (الأجل).. (وطول مسيرة ملل):

يفسر ذلك في (بريد الغربة):

وهو يطرب لحكمة أيامه،
ويصــور ليـــل غربتـــــــه:

          

جريدة (الزمان) اللندنية
2002/10/10

عودة