|
حسب الشيخ جعفر *
لا أريد أن
أقول تكهناً.. وما هي بالنظرة الشخصية العارية.. بل شيء من الرأي الخاص..
والنظر إلى الآراء الأخرى التي أتيح لي ان اطلع عليها في الكتابات النقدية أو
الحوارات التي تجري، عادةً، مع المعروفين من أدباء العربية.. وسأقول أقوالاً
مختزلة بعيداً عن الاستفاضة التي لا تغني أحياناً.
ما
الذي تبقى من عميد الأدب العربي طه حسين؟
لا شك في انه
أعظم رائد من رواد النهضة العربية، بعد الأزمنة المظلمة، في كتابة أو (تأسيس)
تأريخ الأدب العربي..
وأنا أعني
ما الذي يتبقى للأجيال القادمة بعد ألف عام؟ تبقى أولاً (الأيام) فهي، إضافةً
إلى كونها أول سيرة ذاتية جادة يكتبها أديب عربي في زمننا، روايةٌ سباقة في
واقعيتها وصفاء لغتها.. ولم تصدر قبلها، في تصوري، رواية تبلغ مبلغها من الجدية
والجودة.. ويبقى (حديث الأربعاء) و(في الشعر الجاهلي).. وهما أول موسوعة تؤرخ
الشعر العربي تأريخاً نقدياً.. إذا أضفنا إليهما (مع المتنبي) و(تجديد ذكرى أبي
العلاء .. و(مع أبي العلاء في سجنه(..
وفي النثر الأدبي يبقى من الحكيم أولاً..
(يوميات نائب
في الأرياف).. فهي أول استبصار فني جاد إلى الواقع المصري.. وتبقى أيضاً (عصفور
من الشرق) فبين جنبات هذه الرواية - السيرة يجد القارئ اصطداماً بين الحضارتين:
الشرقية والأوروبية! ما الذي يتبقى من نجيب محفوظ.. وهو الروائي العربي الأول
في غزارته وتجديده؟ تبقى، أولا(الحرافيش).. فقد انتهج بها محفوظ نهجاً آخر..
متتبعاً آثار خطى ألف ليلة ولم يكتبها مثلما كتب (الثلاثية) آخذاً من العمار
البلزاكي(ورواية القرن التاسع عشر الأوربية) طريقة في التكوين أو البناء..
وتبقى مجموعتاه القصصيتان (دنيا الله) و(خمارة القط الأسود).. فلم ترتفع القصة
العربية القصيرة إلى النضج الفني والتأمل في الوضع الإنساني.. اللذين ارتفعتا
إليهما.. وتبقى (الثلاثية) بالطبع جهداً فنياً رائعاً طالما بقيت الأعمال
الروائية الواقعية (بلزاك وتولستوي) مثلاً.. وتبقى (اللص والكلاب) و(زقاق
المدق) رائدتين في البنية المحكمة والتأمل في القدر الإنساني الفاجع!
ما
الذي يتبقى من الجواهري..
شيخ شعراء العربية في القرن العشرين؟
تبقى
(المقصورة) أولاً.. فهي شموخ فني رهيب في القبض على أعنة القريض الجامح.. وفي
التحدي حين يضع الشاعر فاعليته إضافةً سخيةً إلى النهر الشعبي المتدفق.. وتبقى
قصيدته الطويلة (أنيتا).. فلم تكتب، إلا نادراً، قصيدةُ حبٍ في مثل جماليتها
وقوتها الفنية.. بل هي إحدى القلائل من قصائد الحب العظيمة في الشعر العالمي
منذ البدايات وإلى اليوم.. وتبقى قصائدهُ (أيها الأرق).. (يا أم عوف)..
(الراعي) و(في مؤتمر المحامين) و(أبو العلاء المعري) والعديد من القصائد
الرائعة.. (القرية العراقية) و(النزعة) مثلاً لا حصراً.. حيث يرتقي الشاعر ذرى
لا تُرتقى إلا لمن تسخو عليه آلهة القصيد!
ما
الذي يتبقى من نزار قباني؟
أولاً..
مجموعتاه (قالت لي السمراء) و(قصائد) .. هما أقوى مجموعتين أنجزهما نزار طيلة
حياته الشعرية الحافلة.. في (الأولى) (طفولة) شعرية تغادر (المهد) مكتملةً
نضجاً وفتوةً وشبوبَ قلب.. وفي (الثانية) أكمل أول (خطوة) غزلية مهمة وجديدة في
الشعر العربي منذ ان سارت الركبان متغنيةً بشعر ابن ابي ربيعة.. ويلوح لي ان
(الأولى) هي (النول) الذي لم تبرح بنيلوب تنسج عليه أقمصتها المتجددة في
انتظارها الطويل!
فإذا تصفحنا ديوان بدر شاكر السياب.. ما الذي يتبقى منه؟
هو، بالطبع، أحد الثلاثة الأوائل مع نازك والبياتي في تجديد العمارة الشعرية
بإنجاز قصيدة التفعيلة.. مع هذا يمكنني ان اختار قصيدته (ديوان شعر) من مجموعته
المبكرة (أزهار ذابلة). لم يكتب السياب قصيدة حب في مثل اكتنازها وبداعتها..
كانت الصيحة الأولى في مرثاته الذاتية الطويلة.. أو هي الصيحة الأعلى والأروع -
وتبقى مجموعته (أنشودة المطر).. إذا أبعدنا جانباً القصائد السياسية المفتعلة..
وفي المكانة الأبرز من الديوان قصيدتاه الطويلتان، الفذتان: (الأسلحة والأطفال)
و(المومس العمياء). ومن (أساطير) تبقى (في المقهى).. في القصيدتين الطويلتين
تتعانق الجمالية الفنية والإنسانية في أتساق لا يدركه إلا شاعر عبقري.. وفي
(المقهى) يتأمل الشاعر الجمال والموت تأملاً وجودياً نادراً ما يتاح للفكر
المتأمل، فقد استطاع ان يضع يده على شيء من السر القابع في أعماق الوحشة
الأرضية الهائلة!
* مقتطفات من مادة موسعة
نشرت
على موقع "اوراق عراقية"
الالكتروني صيف 2004
|