شئ عن "الجواهري وبراغ"

ان تجهد بسطور معدودات لتلمَّ في موضوعة "الجواهري وبراغ" فكأنك تسعى لأن تؤرخ حوالي ثلث قرن من حياة "مالئ القرن العشرين وشاغل اهله"، شعراً وسياسة وفلسفة في الجمال والحب والحياة والثورة، ولكن بايجاز مكثف، وتلك هي المشقة والعناء بحقٍ وحقيق...

... كانت البداية عام 1961 حين جاء الجواهري الى المنفى "اختياراً لا كما الناس يشاؤون اضطراراً"، ليستوطن بلاد التشيك سبع سنوات متواصلة "خالها سبعين لا كدراً، ولكن لحاجتها القصوى الى الكدر".

ومنها، من براغ، عاصمة التشيك كان الشاعر الكبير "في كل يوم له عش على شجر"، وشجر ...

... على "دجلة الخير" مرة حين "سهر وطال شوقه للعراق" و "كردستان موطن الابطال" مرة ثانية وعلى بيروت "ابنة الدهر" تارة و "وارشو النجمة التي تلالا" تارة اخرى وغير ذلك كثير...

... ومنها، من براغ "جنة الخلد" التي "تغنى الدهر في وترها" عانق الجواهري "ناصر الامة الكبرى وحاضنها" و "زوربا" ... وغنّى "لشبيبة العالم". وفيما حاور "الارق" نديمه المؤرق المؤنس، وانشد "لاطفاله واطفال العالم" ودوى بحبه "للناس كل الناس"، تصدى "لحاقدين عليه غيضاً" "كمنغولٍ من التاتار وغدٍ ... تراضع والوغادة من فواقِ" واشباهه ومشجعيه.

وفيها، في براغ، قال شاعر العرب الأكبر، ربما ما لم يقله كبار شعراء التشيك في بلادهم وطبيعتها و "فصولها الاربعة". وفي فاتناتها اللواتي "يكاد ما في الصدر يقتطف اقتطافا" وتلك "السواحر" حيث عدن به الى "عهد الصبا لو طلل عاد ولو ميت وعى".

راح الجواهري يشكك ليؤكد قناعته، وهو الأقدر على التحسس بالجمال ، ويتساءل عن براغ "أعلى الحسن ازدهاءً وقعت ... أم عليها الحسن زهواً وقعا"...

راح يبثّّّ المدينة ... الحبيبة سلامه وعشقه مرات ومرات... ودون حساب "كلما خفق الصباح على الهضاب"... فهل في ذلك حدود؟

وإذ يعشق الشاعر - أي شاعر، فكيف وهو الجواهري – هذه المدينة فلابد انه عاشق حسانها. ومن يبارز فاتنات بوهيميا ومورافيا؟

لقد سامر الشاعر "غادة التشيك" وغازل "بائعة السمك" و "مونيكا"، كما وتلك الحسناء التي رآها مرة واحدة و "رجلها في الركاب ... ويداها تعبث في الكتابِ" فلم تفلت منه ... قصيدة.

فحيناً يصارح "ابنة الأجملين" ان "لمّي لهاتيك لمّا وقربي الشفتين"... وتارة يتغنى باخرى وبـ "خديها الناعمين اللذين يضجان بالسنا"... وثالثة بـ "ملتفة الكشحين ناعمة ميادة مثل غصن البانةِ اللدنِ".

ثم رابعة ... وخامسة ... وعاشرة ويصعب الحصر، ليستمر العطاء اكثر من ثلاثين عاماً متصلة، ومتقطعة... يزور الوطن الأم "ليريح ركابه من أينٍ ومن عثر" ولكنه يعود منه الى براغ...

يزحف منها الى "اليمن في مهر بلا رسن" ثم يعود لينطلق الى طنجة "ولله درك "طنج" من وطن"... ويعود ... الى "دمشق" لتحضنه وترفق به"... ويعود أيضاً ... والى القاهرة وتونس وطرابلس وابو ظبي والكويت والجزائر ... ويعود.

يعود ويعود ويعود، وهو، وليس غيره من خاطب براغ:

ويفي الشاعر بوعده، وتزداد الخمس والعشرون سنة بأعوام خمسة اخرى. ويكتب من براغ وعنها وفيها كل جديد ويتيم وفريد فهي التي "أطالت الشوط من عمره" حتى ناهز القرن.

وإذ جاب "اليفن المجيد" وطناً بعد آخر، وتنقل من منفى الى ثان، يستريح هنا ليجهد هناك. يُخاصِم تارة ويُخاصم اخرى، يعاني ويكابد، يثور ويهدأ، يحب بلا حدود ويغضب بدون مدى.

لكنه، وبعد عمر حافل ملئ بالشموخ والشعر، تتقاصر حوله خطوات "الذئب" الذي بقي يترصده طويلاً حتى نال منه صبيحة السابع والعشرين من تموز/يوليو 1997 ومنذ تلك الساعة بدأ السجال، وكأني بالجواهري الكبير يستعيد اليوم ما قاله في عام 1982.

او كأني به يودع الدنيا ولسان حاله يردد من قصيدة له عام 1971:

اكبـــرت يومــك ان يكــون رثــــــاءَ                       الخالـــــدون عرفتــــهم احيــــــــــاءَ


رواء الجصاني  

- مجلة "المدى" السورية العدد الرابع / 1997

- مجلة "الحياة" التشيكية العدد الرابع / 1997


عودة